إشكالية الهوية والسلطة في مسرحية (ثايوجيرث) لمحمد بن سعيد
كتبهاMaserino ، في 29 مارس 2007 الساعة: 01:32 ص
إشكالية الهوية والسلطة في مسرحية (ثايوجيرث) لمحمد بن سعيد
إشكالية الهوية والسلطة في مسرحية (ثايوجيرث) لمحمد بن سعيد الدكتور جميل حمداوي قدّمت فرقة جمعية ثيفاوين للمسرح من مدينة الحسيمة بدار الشباب أزغنغان ( إقليم الناظور) يوم 25 مارس 2007م مسرحيتها الرائعة\"ثايوجيرث/ اليتيمة\" بمناسبة الأيام الربيعية الأولى للمسرح. وهذه المسرحية التجريدية الواقعية من إخراج الممثل الشاب محمد بنسعيد وأداء كل من يوسف زريوح وشيماء بنعمي ومحمد بلحاج وسهام المشوشي وأحلام بنزيان وعمر اليونسي ووليد التسولي ووائل التسولي وطارق أفاسي وعادل أمغار. هذا ،وتصور هذه المسرحية التراجيدية صراع الإنسان الأمازيغي مع السلطة التي تستهدف إقصاءه وتعذيبه بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة وتهميشه بعزله ونفيه وتسويره بالإهمال واللامبالاة والنسيان، وتتبع المناضلين الملتزمين بالأسر والاعتقال والترصد والنفي غير المبرر. كما تطرح المسرحية قضية التشبث بالأرض والالتحام بالهوية الأمازيغية والدفاع عن كتابة تيفيناغ من أجل إثبات وجودنا وأصالتنا وكينونتنا الحقيقية أمام الانسلاخ الحضاري والتغريب \"المعولم\" والتفريط في مقوماتنا التاريخية والابتعاد عما تركه لنا الأجداد من أسس البناء الثقافي والاجتماعي وتعزيز الذات والحفاظ عليها في إطار التمسك بالهوية الأمازيغية التي تعني الحياة والوجود بالنسبة لنا. وتبدأ المسرحية بلوحة الصمت الكوليغرافي المجسدة لشراسة الطبيعة وغضبها الصاخب الذي يحيل على تجبر السلطة وقمعها للإنسان الأمازيغي الذي يبحث عن نفسه وكينونته وينحت في الصخر من أجل أن يفرض وجوده ويتصدى للأسر والنفي والتغييب الحضاري والمسخ الوجودي والانصهار في مجتمع لايؤمن بخصوصيات الإنسان الريفي الذي له الحق في العيش الكريم والحياة الإنسانية الشريفة. وننتقل في اللوحة الثانية إلى الممثلة شيماء بنعمي بطلة المسرحية وهي تبحث عن أمها التي هي رمز للهوية والأرض والكينونة الحقيقية التي ينبغي أن يفتخر بها كل فرد أمازيغي ، تلك الكينونة التي مازال يفرط فيها الأمازيغيون بتفرقتهم وأنانيتهم وتقاعسهم عن إثبات وجودهم وثقافتهم وهويتهم الأصيلة. إذاً، تدين المسرحية تشرذم الإنسان الأمازيغي وغيابه وتضييعه للغته وكتابته وخصوصياته الحضارية . و قد سببت هذه التفرقة المفروضة وهذه اللامبالاة المتعمدة في موت الأم رمز الهوية والأرض والتراث والأصالة والكينونة المحلية؛ مما جعل السلطة تحارب الأمازيغية وتحاول قمعها وقتلها بكل وسائلها المشروعة وغير المشروعة ،لأنها تعتبر الأمازيغية عدوة لها، وبالتالي، تشكل خطرا على مستقبل السلطة وشرعيتها وأحقيتها في الاستيلاء على زمام الحكم والاستفادة من ثروات الوطن. ومن ثم، تستنكر المسرحية ظلم السلطة وبطشها الجبار وما ترتكبه من شطط وتعسف وقهر في حق الإنسان الأمازيغي. لذلك يتقابل في المسرحية لونان متضادان: الأبيض رمز الأمل والحرية والخير والحب والحياة والكينونة الأمازيغية وفي نفس الوقت رمز للتضحية و الموت والحزن الجنائزي. أما اللون الأسود فيحيل على القمع والكراهية والشر وحقد السلطة وتجبرها الفظيع وقهرها الدامي. وتنتهي المسرحية بلوحة الأمل والحياة وانبعاث الكينونة وانبلاج نور الحرية بتوحيد الأمازيغيين وتشبثهم بالأم وعدم التفريط في أي شبر من أرضهم وفي أي مقوم من مقومات أصالتهم وحضارتهم وكينونتهم. ويلاحظ المتلقي أن المسرحية تجرب خصائص المسرح الرمزي وتمتح من مسرح اللامعقول المجرد. وتتحول فيها عناصر الطبيعة( الرعد، والبرق، والمطر، والفراشة، والشمس، والألوان…)، وعلامات المسرحية سواء اللغوية منها أم البصرية أم المادية إلى رموز إحالية ودوال سيميائية تعكس الصراع بين مجموعة من الثنائيات الضدية: الخير والشر، السلطة والأمازيغية، التمزق والوحدة، و الخير والشر، والحب و الكراهية ، والتأصيل والتغريب…. وتنساق المسرحية مع التطهير الأرسطي وقسوة أنطونين أرتو وتكسير الجدار الرابع على طريقة بريخت وبسكاتور والتحليق في الرمزية الذهنية على غرار مسرح إبسن وميترلنك والاستفادة من الكوليغرافيا الصامتة لدى رواد مسرح اللامعقول( أرابال وآداموف ويونيسكو وبيكيت). ويطغى السواد التراجيدي المغلف بالحزن على إيقاع المسرحية وأزيائها وفضائها البصري على غرار المسرح الأمازيغي بصفة عامة كما يظهر ذلك واضحا في مسرحية \"ثشومعت/ الشمعة\" من إخراج عبد الواحد الزوكي، ومسرحية\" أرياز ن- وارغ/رجل من ذهب \" في نسختها الأولى وهي من إخراج فخر الدين العمراني ، و\"ثيرجا سثنيفست/ أحلام من الرماد\" من إخراج محمد بنعيسى، و\"ثابرات/ الرسالة\" من إخراج فاروق أزنابط، و\" نشين نسّا \" من إخراج فخر الدين العمراني…). وتظهر المسرحية قدرات الممثلين العالية في فن التمسرح ومهارة الانتقال والتواصل الحركي على خشبة الركح على الرغم من كونهم مازالوا شبابا يافعين متعطشين إلى الفعل المسرحي يفتقدون إلى التكوين النظري والممارسة الاحترافية والاحتكاك التطبيقي، وذلك لغياب بنية التنشيط الثقافي وعدم وجود المعاهد المسرحية بالحسيمة التي ستؤهل هؤلاء إلى الوعي بالفعل المسرحي نظرية وتكوينا وتطبيقا. ومن أهم الممثلين الحاذقين نستحضر الممثلة القديرة سهام المشوشي التي أظهرت قدرات رائعة أثناء انتقالها على خشبة الركح وأداء دورها التراجيدي من خلال البحث عن أمها التي فرط فيها أبناؤها الأمازيغيون. ومن ثم، فقد تقمصت دورها أحسن تقمص ومثلته عن صدق ومعايشة، وهذا الحكم ينطبق على الممثلين الآخرين البارعين في أداء أدوارهم. وتذكرني هذه الممثلة القديرة الصاعدة بالممثلة الحسيمية البارزة فدوى والقاضي في مسرحية\" ثيرجا ثسنيفست/ أحلام من الرماد\" لمحمد بنعيسى التي أدت دور الأم أحسن أداء فني وجمالي. وتتسم السينوغرافيا في هذه المسرحية بالطابع الوظيفي الجيد، لأن الممثلين شغّلوا جيدا عناصر الديكور( السجن، وباب المعتقل، والضريح….)، وكل العلامات السمعية ( الموسيقا، والأغاني…)، والبصرية ( الستارة المرقعة، وتداخل الألوان وتقاطعها لتشكيل ثنائية الخير(اللون الأبيض) والشر( اللون الأسود))، والعلامات المادية( الديكور). ومن تجليات التلقي في هذه المسرحية أنها أحدثت وقعا جماليا بلغتها الشعرية الرمزية، وحققت انزياحا في مسار المسرح الأمازيغي عندما خيبت أفق انتظار الجمهور الأمازيغي بتجريبها لمبادئ المسرح الرمزي ومسرح اللامعقول. ومن جهة أخرى بدأت المسرحية بلوحات صامتة حركيا أثارت اندهاش النقاد وأبهرت المشاهدين بالكوليغرافيا الجسدية التواصلية والألوان المتقاطعة التي خلقت في ذهن المتلقي صور المعنى والتخييل والسعي نحو إعادة الإنتاج والتفاعل مع فراغات العرض التي تستلزم قراءات منفتحة تستند إلى التأويل والربط بين اللوحات ومؤشراتها السيميائية وملء البياض بالمعنى والدلالة والمقصدية المرجعية. وقد كان الاتصال الفني والجمالي يتم داخل قاعة المشاهدين عبر التحقق الحركي بين ممثلي الركح والجمهور من خلال تكسير الجدار الرابع والاحتكاك بالمتفرجين مباشرة علاوة على الاستخدام الجيد لتقنية المواجهة الأمامية وتوظيف الخطاب الدرامي الموجه إلى الجمهور للتأثير عليه إما بشكل كوليغرافي بصري وإما باستخدام العلامات البصرية والمادية قصد جذب المتفرج للتفاعل مع العرض وتمثله كما يتمظهر ذلك في التصفيقات الحارة وحالة الصمت التي كان عليها الجمهور في بداية العرض بسبب المعايشة الوجدانية والذهنية التي أحدثها الوقع الجمالي ولذة العرض والانزياح عن مقومات المسرح الأمازيغي الكلاسيكي. وعليه، فمسرحية \"ثايوجيرث/ اليتيمة\" تشكل منعطفا بارزا في مسار المسرح الأمازيغي بمنطقة الريف ؛لأنها تتناول إشكالية الهوية الأمازيغية من خلال منطلق فني وجمالي يرتكز على التجريب وخلخلة المسافة الجمالية وتأسيس أفق انتظار جديد يسمو بالمتفرج الأمازيغي إلى مراقي الفن الرفيع والذوق الجمالي العالي. ومن هنا نقول: بأن الجمهور الأمازيغي قد بدأ يحس بوجود فرجة مسرحية متكاملة في كل مكوناتها السينوغرافية والإخراجية. وهنا نشيد أيما إشادة بالمخرج الشاب محمد بنسعيد الذي أخرج لنا هذه المسرحية الرائعة التي تتسم بالحداثة والتجريب الرمزي والذي استفاد أثناء إعدادها وتحبيكها دراميا وإخراجها سينوغرافيا من التطبيقات والعروض المسرحية المحلية ومن التصورات والتقنيات الإخراجية الغربية والعربية على حد سواء. ولقد نوه أيضا كل من المخرج فخر الدين العمراني والمخرج سعيد المرسي والسينوغراف الكبير محمد العمالي والناقد الدكتور جميل حمداوي باعتبارهم قراء ضمنيين ونقادا واقعيين ومتخصصين في الميدان المسرحي بهذه المسرحية الرائعة تنويها كبيرا عقب الانتهاء من عرض المسرحية في مهرجان المسرح الربيعي بأزغنغان، وقد أجمعوا على تثمينها والإشادة بها تقويما وتشجيعا وتوجيها . واعتبروها مسرحية ناجحة ومتكاملة في كل أبعادها الدلالية والمرجعية والسينوغرافية والإخراجية والتشخيصية.
ملاحظة: جميل حمداوي،صندوق البريد 5021 أولاد ميمون، الناظور، المغرب.
jamilhamdaoui@yahoo.fr لقطات من مسرحية تايوجيرث المخرج الشاب محمد بنسعيد الممثلة القديرة سهام المشوشي لقطة من مسرحية ثايوجيرت
عن طريق الكاتب نفسه
الدكتور. جميل حمداوي
له جزيل الشكر والإمتنان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























