مسرحية\" ثشومعت/ الشمعة\" وتأسيس الذوق الجمالي
كتبهاMaserino ، في 28 مارس 2007 الساعة: 20:48 م
مسرحية\" ثشومعت/ الشمعة\" وتأسيس الذوق الجمالي
مسرحية\" ثشومعت/ الشمعة\" وتأسيس الذوق الجمالي الدكتور جميل حمداوي قدم نادي مسرح الشباب بني أنصار يوم23 مارس 2007م مسرحية \"تشومعت/ الشمعة \" في نسختها الثانية بالدار الشباب بأزغنغان، بعد أن اشترك بها النادي في الإقصائيات الإقليمية لمسرح الشباب بالناظور وحصل بفضلها على الجائزة الثانية بسبب غنى العرض بالنظريات المسرحية والتقنيات الإخراجية الدسمة. وقد ألف الشاب الصاعد عبد الواحد الزوكي هذه المسرحية وأخرجها على ضوء تصورات إخراجية جديدة، أما السينوغرافيا فهي من توقيع جبران الملوكي. وقد استفاد مخرج المسرحية من الأخطاء التي وقع فيها سابقا وأعد عرضا رائعا ومتميزا ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة شباب فرقة النادي وإصرارهم على تجاوز السلبيات من أجل تقديم فرجة سينوغرافية متكاملة وحبهم للعمل الجماعي وعشقهم لفن المسرح وفعل التمسرح. وعليه، فالمسرحية تناقش قضية الأرض والهوية الأمازيغية والصراع بين الخير والشر والدعوة إلى السلام والمحبة. كما تجسد تيمة اليتم بكل معانيها المجازية والتجريدية. إذ تدين المسرحية التهميش والإقصاء والنبذ وإقصاء الإنسان الأمازيغي منذ ولادته حتى موته. وهذا ما يجعل هذا الإنسان يعاني من الظلم والغبن الذي يمارسه الآخر ضده. وبالتالي، يحس باليتم في جميع مظاهر الحياة وعلى جميع الأصعدة والمستويات. كما تصور الحياة السوداوية التي وصل إليها الإنسان ولامبالاته وعبثه مع انحطاط القيم وتردي المثل وانبطاح الفرد أمام متاريس الجهل والفقر والجشع والطمع وتغريب الآخر. وقد وظفت المسرحية الضوء الأسود للتأشير على مسرح القسوة كما عند أنطونين أرتو وشغّلت التجريد العبثي كما في مسرح اللامعقول والمسرح المنفتح على الحضارة الشرقية وذلك بتوظيف التنين الصيني وكرسي الاعتراف . وشغلت المسرحية الكوليغرافيا بدقة متناهية في الروعة وتفوقت في الانتقال فوق خشبة الركح دائريا وعموديا وأفقيا وتقاطعيا، كما استعانت المسرحية بالموسيقا الوظيفية والأغاني المؤثرة والإيقاعات المتناغمة الدالة برمزيتها وأبعادها السيميائية. والتجأ الممثلون إلى الماكياج لتشخيص الأدوار التي أنيطوا بها بصريا ولسانيا وسيميائيا، وقد عكس هذا الماكياج البصري بدقة وأصالة ماكانوا يريدون التعبير عنه. وتبدأ المسرحية ببرولوج حركي طويل في إيقاعه، وقد كان في شكل كوليغرافيا صامتة جنائزية تعقبها أغنية تراثية وهي \"هلاليرو\" تحيل على عالم النوم وحنان الأم والاستعداد لليقظة والانفتاح على توهج الحياة. وقد صاغها المخرج في طابع سينوغرافي مأساوي كما تبين ذلك الأزياء السوداء المشحونة بالتوتر والحزن. وفي هذا الظرف الصامت أحس الجمهور بالرهبة والخشوع والتوتر والتأزم النفسي والمعايشة الوجدانية الحقيقية لكل الأدوار التي تم تجسيدها فوق الركح . ونسجل كذلك أن الإكسسوار كان وظيفيا في هذه المسرحية وخاصة الشمعة التي تتحول إلى رمز للتغيير والبحث عن الحرية ومسلك لإزالة الظلام استعدادا لانبلاج النور والصباح المشرق ، ومن منظور آخر تنير الشمعة للممثلين بصفة خاصة والجمهور بصفة عامة درب الخلاص وطريق التنمية والازدهار والبحث عن الحقيقة الصادقة اليقينية. وتجسدت علاقة الممثل بالمشاهدين في تطهير نفوسهم المنبهرة بوقع المشاهد المسرحية، وذلك بإثارة الخوف والشفقة واستعمال العنف والقسوة في جذب المتفرج واستفزازه بالصمت الكوليغرافي. ويعقب هذا الصمت إيقاع الحركة والتمسرح الدرامي الديناميكي من خلال تحبيك سيمفونية اليتم والتغني بأغنية أمازيغية رائعة : يامّا أيامّا يامّا أيامّا يامّا أيامّا يامّا أيامّا وهنا يتدخل الجمهور بالتصفيق والتشجيع والانسياق وراء روعة المسرحية التي كانت في بعض الأحيان تبهرهم بالحركات الكوليغرافية المتناسقة والحبكة القصصية الحزينة. لكن هذه المسرحية بدلالاتها الرمزية تثير صعوبة على مستوى التلقي ؛لأنها تخيب أفق انتظار الجمهور وتنزاح عن ذوقهم السائد في التعامل مع المسرحيات الأمازيغية الكلاسيكية. وبذلك تؤسس لذوق مسرحي جديد في مسار المسرح الأمازيغي الريفي. ولا أبالغ إذا قلت بأن هذه المسرحية تشكل قطيعة فنية وجمالية مع العروض السابقة وتشكل انعطافا مهما في مسار المسرح الأمازيغي وتعبر عن نضجه السينوغرافي وكماله الفني ومجده الجمالي. وما ردود الجمهور بالاستحسان والإعجاب إلا دليل على روعة هذه المسرحية وسموها الدرامي وتشكل المسرح الناضج والعرض الشامل الذي ينفتح على أحدث التقنيات والمدارس والمناهج المسرحية لدى الغربيين والعرب على حد سواء. وقد أظهر الممثلون كفاءة عالية وقدرة فائقة في مجال التمثيل والانتقال فوق الخشبة وتشخيص المأساة واليتم بأجسادهم ووجوههم وتعابيرهم الواضحة الدالة وصرخاتهم الصاخبة الموحية، وتوفقوا في تحقيق الوقع الجمالي وإثراء التحقق الفني من خلال جدلية العرض والمتلقي ، تلك الجدلية الفنية الممتعة التي جعلت المشاهدين ينساقون وراء التخييل واستجماع الصور الممكنة والمحتملة لبناء المعاني وترجمتها عبر التفاعل الحميمي والتصفيق الحار والاندهاش الناتج عن إعادة القراءة وملء الفراغات الفنية والجمالية. ومن أهم الممثلين الذين بينوا براعتهم في التشخيص وتجسيد الدوال الرمزية والعوامل الموضوعية وتحويلها إلى تقمصات ركحية نذكر: عزيز إفلت وعبد الواحد الزوكي وشفيق التاويل وأنس عبد الله ومراد بلكنش. هذا، ويتمظهر التواصل الحميمي بين المسرحية والمتقبل أيضا في استعمال الخطاب المباشر الموجه إلى الجمهور والتأثير على عقولهم وعواطفهم من أجل أن يتمثلوا دلالات المسرحية واستيعاب مراميها ومقاصدها السياقية. وعليه، فمسرحية\" تشومعت\" مسرحية ناضجة من حيث البناء الفني والمعالجة الدرامية، وهي كذلك مسرحية شاملة ومتكاملة حققت تميزا جماليا وحداثيا في مسار المسرح الأمازيغي الريفي، واستطاعت أن تؤسس ذوقا فنيا طلائعيا جديدا يتجسد بكل وضوح في ردود أفعال المشاهدين الإيجابية من خلال تصفيقاتهم المتواصلة وإعجابهم الكبير بالمسرحية سواء من قبل المثقفين أم الجمهور الهاوي . وتعد هذه المسرحية بكل صراحة وموضوعية إضافة جديدة للمسرح الأمازيغي فنيا وجماليا . وفي المقابل، تركت هذه المسرحية المشاكسة العنيدة في أبعادها القريبة والبعيدة بياضا دلاليا ينتظر التأويل ونقطا فارغة في حاجة إلى التفسير السياقي والمعايشة البانية والتفاعل القرائي الهادف.
ملاحظة: جميل حمداوي، صندوق البريد 5021 أولاد ميمون، الناظور، المغرب jamilhamdaoui@yahoo.fr
عن طريق الكاتب نفسه
الدكتور. جميل حمداوي
له جزيل الشكر والإمتنان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























